الشيخ محمد النهاوندي
30
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
الآيات المبشّرات ببعثته ، الدالات على نعوته ، واتّفق المسلمون عليه ، ولازم ذلك أنّه لم يكن في ذلك الوقت في الكتابين آية دالّة على نعته ، ولم يكن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله قادرا على إثبات بشارة موسى وعيسى عليهما السّلام بمجيئه ورسالته ، ولذلك لم يؤمن أكثر أهل الكتابين بنبوّته ، ولو كان في الكتابين ذكر علائمه المنطبقة عليه ، لم يبق لهم عذر في عدم الايمان والتسليم . قلنا : نعم ، ولكنّه لم يقع التحريف في جميع النسخ الموجودة في ذلك العصر من الكتابين ، وإنّما وقع في عدّة كتب كانوا يظهرونها لعوامّهم ، ويتلونها عليهم إضلالا لهم ، وحفظا لرياستهم في السرّ والخفاء ، ولم يقدروا على التجاهر بالمعارضة لكون النسخ غير المحّرفة كثيرة الوجود ، وكانت عدّة من المسلمين من علماء الفريقين مطّلعين على الآيات غير المحرّفة ، قادرين على إفحام المعارضين الجاحدين ، فلم يجسر أحد على التظاهر بالتكذيب والإنكار ، بل سلك المتمرّدون مع النبيّ والمسلمين سبيل النفاق . [ 2 ] - ومنها : أنّ العادة قاضية بأنّ كلّ من يريد أن يثبت لنفسه بين الناس مرتبة من الكمال التي ليست له ، ويدّعي كونه في مرتبة الواجدين أو فوقهم ، وكان لتلك المرتبة من الكمال آثار في الأنظار ، لا بدّ لذلك المدّعي الكاذب من السّعي في إلقاء الشّبهات في ملازمة تلك الآثار لتلك المرتبة من الكمال ، وإزالة اعتقاد الناس بها ، ومن المبالغة في تنقيص من عرف بهذه المرتبة وتكذيبه في دعوى وجدانه الآثار ، وتكذيب نقلها عنه ، ومن الجدّ في الإرزاء به حتّى تحصل له رفعة القدر وسماع الدعوى . مثلا إذا ادّعى مدّع كاذب لنفسه مرتبة النبوّة ، وكانت في اعتقاد الناس ملازمة لإتيان المعجزة وعمل خارق للعادة ، وكان المدّعي عاجزا عن ذلك ، فلا بدّ له من إنكار ملازمة النبوّة للاعجاز ، ومن السّعي في إلقاء الشبهات في أذهان المعتقدين بصدور الإعجاز وخوارق العادات من الأنبياء عليهم السّلام ، ومن حطّ رتبتهم وقدرهم ، ومن سلب العصمة عنهم حتّى يمكنه دعوى التساوي معهم أو التعالي عليهم . كما ترى ذلك من الفرقة الضالّة البابيّة « 1 » ، حيث إنّهم على ما نقل عنهم أنكروا جميع المعجزات
--> ( 1 ) . البابيّة : فرقة أسسها علي محمد ، الملقب بالباب ، المولود بشيراز سنة 1235 ه والمقتول سنة 1266 ه في تبريز بإيران ، وادّعى أنه الباب الذي لا يجوز الدخول إلّا منه ، وقال بنسخ فرائض الإسلام ، وإنه أفضل من الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه وآله ، وإن أقرانه أفضل من الصحابة ، وإن البشر يعجز عن الإتيان بقرآنه ، وسمّى كتابه ( البيان ) وكان يقول إنه المهدي . معجم الفرق الإسلامية : 48 .